محمد طاهر الكردي
477
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم
القضاء ، ووسائل الإقناع ، والصلابة في الحق والنفوذ الخارق للعادة . وتندر في مجالسه وأسماره وأسواقه بوقائع المنذر وخطبه وأجوبته ، ودخل ذلك في نطاق الحياة العامة . وأصبح جزءا منها ، وكان المنذر حتى في صلاة الاستسقاء ، ومواقف التذلل والخشوع والاستكانة ، يأتي بالجديد المبتكر فيبكي الجماهير ، ويحرك المشاعر ، ويهيمن على القلوب ناهيك أنه وقف يوما يخطب للاستسقاء فتوجه للجماهير وقال : سلام عليكم ، ثم التفت إلى الناحية الأخرى من موقفه ، وقال : سلام عليكم ، ثم سكت كالذي أرتج عليه ، ثم اندفع يقول : سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ . وانهل يقرع الأسماع بزواجر وعظه إلى أن هاج الناس بالبكاء ، وضجوا بالاستغفار ، وقالت السماء كأفواه القرب . إن هذا الفراغ الذي تركه المنذر ليس من اليسير أن يملأه ابن السليم في زمن قصير ومع ذلك فقد استطاع أن يحرز على ثقة الناس واحترامهم . وحدث أن حضر الأمير الحكم يوما إلى مجلس القضاء متنكرا ، فوجد رجلا يرتعد ولا ينهض من كبوة إلا ليقع في أخرى فسأله عن شأنه فذكر له أنه جاء يستعدي على خصم له ، واستهول الوقوف بين يدي القاضي ، ولو كان مدعيا بحق . فقال له الأمير : أو يعزى ما تجده في نفسك من خوف لسوء أخلاق القاضي وفضاضته وغلظ قلبه ؟ قال : لا ، ولكن لمهابته وقوة فراسته ، قال الأمير : وكيف ذلك ؟ قال الرجل : إن الناس يتحدثون أنه يدرك المحق والمبطل ، من مجرد عرض الدعوى والإدلاء بالجواب . فقال الأمير : وأنت ألك وثوق بحقك ؟ قال الرجل : في بعض المدعى فيه ، وشجعه الأمير على الادعاء بكامل ما في نفسه ، فتمثل بين يدي القاضي ، وبسط دعواه ، والأمير يستمع من قريب فأطرق القاضي ثم خاطب الشاكي ، يضايقه يضايقه بالتحرير والأسئلة ، حتى ألجأه إلى تعديل الدعوى ، وصرفه ليمعن في تحرير دعواه ، ثم يرجع إليه . وهكذا انصرف الأمير متعجبا من فراسة قاضية ابن السليم وكثيرا ما صرح الحكم المنتصر باللّه بأن أكبر مصيبة تحدث في المملكة هي أقل خطرا من مصابها بموت قاضي القضاة . وإن وفاة القواد والوزراء لا تتأثر لها الحياة العمومية تأثرها بفقد القاضي العادل . ويذكر المؤرخون أن عهدي المنذر بن سعيد ومحمد بن السليم سادهما شعور بالانتصاف ، وتشجيع على المطالبة بالحق قبل أي كان تعلقه . وقد أمكن الفصل